الجمعة، 3 يوليو 2020

الشهيد عباس آسميه 2

الشهيد عباس آسميه على لسان أمه المصون.


كان لدي ابنان. كان عباس ابني الثاني والذي ولد عام 1368 [هجرية شمسية أي حدود عام 1989-1990 ميلادية]. كان من النخب الممتازة في تخصص الطيران و الفضاء في منطقة فرديس من محافظة ألبرز و قد تخرج كم جامعة قزوين الإسلامية المفتوحة.

كان عباس يرتاد المجالس الحسينية و المسجد كثيرا و يستثمر كل فرصة حضور مجالس أهل البيت. كان يقول "حياتي في محرم و صفر". في صباح أكثر الأيام كان يقرأ عزاء الإمام الحسين عليه السلام و يلطم على صدره.

ما كان عباس متوافقا مع أجواء الجامعة و يقول أحيانا "أخطأت بدخولي الجامعة، كان يجب أن أذهب إلى الحوزة العلمية". و قد اتخذ مؤخرا كتبا في اللغة العربية و كتبا حوزوية.

كان دائم الوضوء و مراقبا تعامله مع الآخرين و خصوصا مع النساء غير المحارم. ما رأيت منه تجهما قط. كان خلوقا جدا و شديد التقوى. كلامي مهما طال لا يفيه حقه.

كان مطلعا اطلاعا على مختلف الأمور الدينية و الفقهية و السياسية و المسائل الأخرى، لأنه كان من أهل القراءة و الاطلاع.

كان يؤدي أموره في هدوء و سكوت و ما كان يعلن عنها أبدا [لا يحب الشهرة]. كان القريب و الغريب ينعت أخلاقه و سلوكه.

بعد استشهاده زار دارنا عائلة و قالوا و هم يجهشون بالبكاء أن منذ مدة طويلة كان الشهيد العظيم يعينهم و يساعدهم ماديا و معنويا.

الشهيد عباس آسميه

إن عدت من سوريا...

يقول قائده أن أخلاق عباس الحسنة كانت سببا في رغبة الكثيرين أن يصاهروا الشهيد، و طالما قالوا له إن كنت تريد الزواج فلدينا الخيار المناسب.

تعرفنا على عائلة من شيراز في أيام الأربعين و كانت بيننا محادثات. عندما تكلم عباس مع تلك الآنسة أخبرها عن نيته الذهاب إلى سوريا، و قال إن عدت من هذه المأمورية سالما سأًُقِدم على جعل الخطبة رسمية. لكن يبدو أن الله كتب لابني عباس شيئا آخر.

الشهيد عباس آسميه

لا تبكي بعد استشهادي

كان قد مضى على التحاقه بالحرس الثوري عامان. اختير راميا ممتازا لمدة من الزمان. حينما يسمع عن اعتراضي على خطورة عمله، كان يقول "أمي العزيزة لا تغتمي، أنا ذاهب في عشق شخص إذا أصبت برصاصة في حبه، أعلم أنه هو سيأتي بعدها ليأخذ بيدي".

كان يقول لي: "أماه إذا مضيت يوما فصومي عني ثلاثة عشر يوما صوم قضاء". كان قد خمّس ماله. اشتغل بنفسه قبل الذهاب إلى سوريا اشتغالا كثيرا فاستعدّ للعروج إلى السماء استعدادا تاما.

ما كلمني عباس بشأن سوريا لكن اكتفى بالقول أنه ذاهب في مأمورية مدتها 45 يوما. ما كانت لي طاقة فراقه لذا تركته وقتما كان يوظب حقيبته كي لا أودعه و لا أرى ذهابه. اتصل في تلك الليلة عدة مرات. عندما انتبه إلى أن حالي خراب، استأذن من مسؤوليه و أتى إلى المنزل.

قال لي: "أماه متى ما وقعت حرب و شاركت فيها فسوف أستشهد في تلك الحرب، لأنني طلبت ذلك من الإمام الحسين عليه السلام. لذا لا تبكي بعد استشهادي، و كلما ذكرتيني و اشتقت إلي فاذكري عليا الأكبر ابن الإمام الحسين عليه السلام و ابكيه".

كان يقول: "إن الذين يذهبون إلى سوريا دفاعا عن حريم أهل البيت، هم حقيقة يذهبون كي لا يأتي العدو إلى بلادنا، لأن هدف العدو الأصلي هو إيران. هكذا فإننا بحضورنا في سوريا أوقفنا العدو خلف حدود سوريا كي يستمر الأمان في بلادنا و يدوم".

الليلة الأخيرة

اشتقت إليه تلك الليلة اشتياقا شديدا. حينما استيقظت من النوم منتصف الليل، انتبهت أن ضوء مصباح غرفته. كان فؤادي يقول أن عباسا يكتب وصيته الآن. ما كانت لي طاقة أن أقوم و أخل خلوته.

بعد استشهاد عباس رأيت أحد مكتوباته بخط يده، كانت مخطوطة من زمان ذهابه إلى كربلاء أقسم فيها على الله بكلمات جميلة أن يجعل نصيبه الشهادة. طلب من الله إن لم يكن لائقا بالشهادة فلتكن وفاته في مجالس عزاء الإمام الحسين عليه السلام.

شهادة عباس


بعد أن اجتاز الدورات التخصصية، تطوع ابني عباس للدفاع عن حرم الأئمة المعصومين عليهم السلام و ذهب إلى سورية، وبعد حضوره في المناطق التي تتحكم فيها عصابة داعش الإرهابية، استشهد في 21 من شهر دي عام 1394 الهجرية الشمسية [11 يناير 2016م] في معركة ضد الإرهابيين التكفيريين في محافظة حلب شمال سوريا، بلغ مقام الشهادة السامي على يد عناصر هذه العصابة التكفيرية الصهيونية.

كان أصدقاؤه يقولون أن عباسا و ثلاثة آخرين صعدوا تلة و قاتلوا بشجاعة حتى يمنعوا قتل البقية. أصيب عباس بالرصاص في قلبه و خاصرته، فبلغ أخيرا أمنيته التي طالما اشتاق إليها و شرب من كأس الشهادة من يد سيده المدفون بلا كفن، و لم يعد جثمانه أيضا فبقي مفقود الأثر أبدا.

أشتاق إلى ابني

والد الشهيد عباس آسميه و والدته
أشتاق إليه كثيرا و كلما ذكرته كأنه تشتعل نار في قلبي. كلنا احترقنا بعد شهادته ألما. كما يقول جميع أصدقاء عباس و من يعرفونه فقد كان عباس فردا مميزا و ليس له نظير فيمن حولنا.

كان عباس هو الوحيد الذي يسكن معنا لأن أخاه الآخر قد تزوج. لذا فإن اجتماعنا كان أكثر ما يكون و عباس معنا في المنزل. لذا فإنني و أباه قلبنا ضيق مشتاق أكثر من أي وقت مضى.

استقراركِ ينظم العائلة

كتب في جزء من وصيته يخاطبي قائلا:
"أمي العزيزة لقد أمضيت أحب لحظات حياتي معك، أحب بعد الله أحبك كثيرا كثيرا، و أريد منكِ أن تحافظي على استقراركِ لأن استقرارك سينظم العائلة، فكلما ذكرتني اذكري السيدة زينب سلام الله عليها و اطلبي منها أن تفرغ عليك صبرا".

ذكرى عباس لجميع الشباب

صورة الشهيد عباس آسميه
كان ابني عباس يحب بشدة الكتب التي تروي عن الشهداء، و كان مرتبطا بهم كثيرا و خصوصا "الشهيد همت". في أحد الأيام قبل ذهابه إلى سوريا قال لي: "أماه، لقد تعلمت شيئا من كل شهيد، فإذا مضيت يوما فقولي للأصدقاء و المعارف أن يقرأوا هذه الكتب و ليتقدموا و يحسنوا حياتهم بالتعلم من طريقة حياة الشهداء و سلوكهم".

يمكن القول أن هذا الكلام من عباس هو أفضل هدية يقدمها إلى الجيل الشاب ليصلوا إلى الاستقرار و ليكتشفوا سر التوفيق.

الكلام الأخير

كان عباس من أكثر الأفراد تقوى في زماننا هذا، و أنا دوما أسأل الله تعالى له في دعائي علو الدرجات. إنني أغبط عباس كثيرا و أتحسر لماذا لم أتعرف عليه كما يجب حينما كان معنا.

أرجو أن يستمر طريق عباس أبدا على يد أصدقائه و الجيل الشاب.



المصدر: مقالة "روایتی مادرانه از آسمانی شدن عباس آسمیه"، الموقع الإلكتروني "به دخت" المتخصص في أمور النساء والبنات، 8 بهمن 1395 الموافق 27 يناير2017م.

الأربعاء، 1 يوليو 2020

الشهيد عباس آسميه 1

شهيدنا المدافع عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله هو عباس آسميه. ولد الشهيد عام 1368 هجرية شمسية أي حدود عام 1989-1990 ميلادية.

الشهيد عباس آسميه
الشهيد عباس آسميه

بعد نيل الدبلوم درس هندسة الطيران والفضاء في جامعة قزوين المفتوحة. التحق عباس آسميه بالحرس الثوري منذ شبابه، و اختير قناصا مثاليا لمدة من الزمان. تطوع الشهيد عباس للدفاع عن حرم آل الله و ذهب إلى سوريا، ثم استشهد في حلب 11 يناير 2016م في عمر السادسة والعشرين، و لم يعد جثمانه الطاهر إلى الوطن حتى تاريخه [7 يونيو 2020م].

ينقل أخو الشهيد عن أحد قادة الشهيد قائلا: "كان عباس يصرف نصف راتبه الشهري في أمور الخير. في الواقع كان يقسّم جزءا من راتبه على عائلتين أحدهما لديهم مريض سرطان و الآخر يعيلون طفلا يتيما. و كان يصرف بقية راتبه على المواكب الحسينية و الاحتفالات المذهبية. كان يصوم 20 يوما تقريبا كل شهر و يأخذ الوجبة المخصصة له من جهة العمل و يعطيها العوائل الفقيرة".

كتب الشهيد المدافع عن الحرم عباس آسميه في وصيته: "إنني إذ عزمت الذهاب إلى سوريا و طلبت ذلك من الله، فالعلة هي أنني لم أستطع أن أتجاهل مظلومية شعب سوريا، و لا الخطر المحدق بحرم آل الله الذين لو لا تضحياتهم لما بقي من الإسلام شيئا، و لا أن أتجاهل سعي التكفيريين تشويه وجه الإسلام في العالم، و البتة لم أستطع تجاهل نداء قائد الثورة الحكيم إذ قال يجب أن لا تسقط سوريا، فإننا إن لم نقف مقابلهم في هذا الزمان و المكان خصوصا لكنّا سنشهد المواجهة معهم على حدودنا [إيران]".

ترجمة المصدر: صحيفة كيهان الفارسية، 9 تير 1399 هجرية شمسية، رمز الخبر 191822